عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
305
اللباب في علوم الكتاب
وقرأ الأعمش « 1 » : « برسالاتي وبكلمي » جمع « كلمة » وروى عنه المهدويّ « 2 » أيضا « وتكليمي » على وزن التّفعيل ، وهي تؤيّد أنّ الكلام مصدر . وقرأ أبو رجاء « 3 » « برسالتي » بالإفراد و « بكلمي » بالجمع ، أي : وبسماع كلمي . فصل [ في أن موسى - عليه الصلاة والسلام - طلب الرؤية ومنعه اللّه فعدّد عليه وجوه نعمه العظيمة وأمره بشكرها ] لما طلب موسى - عليه الصّلاة والسّلام - الرؤية ومنعه اللّه تعالى ، عدد عليه وجوه نعمه العظيمة ، وأمره بشكرها . كأنّه قال له : إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النّعم العظيمة كذا وكذا ، فلا يضيق صدرك بسبب منع الرّؤية ، وانظر إلى أنواع النّعم التي خصصتك بها واشتغل بشكرها ، والمراد : تسلية موسى - عليه الصلاة والسلام - عن منع الرؤية . فإن قيل : كيف اصطفاه على النّاس برسالاته مع أنّ كثيرا من النّاس قد ساواه في الرسالة ؟ فالجواب : أنّه تعالى بيّن أنّه خصّه من دون النّاس بمجموع الأمرين : وهو الرسالة مع الكلام بغير واسطة ، وهذا المجموع لم يحصل لغيره ، وإنّما قال : « على النّاس » ولم يقل : على الخلق ؛ لأنّ الملائكة تسمع كلام اللّه من غير واسطة كما سمعه موسى . قال القرطبيّ : « ودلّ هذا على أنّ قومه لم يشاركه أحد منهم في التّكليم ولا أحد من السّبعين » . قوله : « فَخُذْ ما آتَيْتُكَ » أي : اقنع بما أعطيتك . « وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ » ، أي : المظهرين لإحساني إليك ، وفضلي عليك . يقال : دابّة شكور ، إذا ظهر عليها من السّمن فوق ما تعطى من العلف ، والشّاكر متعرض للمزيد ؛ كما قال تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] . قوله تعالى : وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً . قوله : في الألواح يجوز أن تكون لتعريف الماهيّة ، وأن تكون للعهد ؛ لأنّه يروى في القصّة أنّه هو الذي قطّعها وشقّقها . وقال ابن عطيّة « 4 » أل عوض من الضمير ، تقديره : في ألواحه ، وهذا كقوله : فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [ النازعات : 41 ] أي : مأواه . أمّا كون أل عوضا من الضّمير فلا يعرفه البصريون . وأمّا قوله : فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى فإنّا نحتاج فيه إلى رابط يربط بين الاسم والخبر ، والكوفيون : يجعلون أل عوضا من الضمير . والبصريون : يقدّرونه ، أي : هي المأوى له ، وأما في هذه الآية فلا ضرورة تدعو إلى ذلك .
--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 385 ، والدر المصون 3 / 340 . ( 2 ) ينظر : السابق . ( 3 ) السابق . ( 4 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 452 .